Al Mandaloun Patisserie
select
select
select
select


LCU

Highlights

about lebanon editorial

البيت القرميدي في جبيل مُهدّد... فمَن يُنقذه؟


584 Views
 


في ظل الهجمة العمرانيّة التي يشهدها المجتمع اللبناني والفساد المستفحل في مؤسساته العامة، أصبحت بعض الأماكن الأثرية السياحيّة عرضة للزوال، وبعضها الآخر مجرّد مصدر مالي يستقطب الوافدين ويعوّل عليها لتنمية المجتمع اقتصاديّاً. فهذه الأماكن الأثرية لا يوليها المعنيّون سوى اهتمام هامشيّ، وقد احتلّها الكسور والإهمال، إلى درجة أنها باتت تنتظر تمويلاً خارجيّاً لإنقاذها من محنة احتمال انهيارها 

أصالة الهندسة المعماريّة 

يتميّز بيت القرميد المدرج على لائحة الجَرد العام للأبنية التاريخيّة، بأصالة هندسته المعماريّة التي تفردت بها البيوت اللبنانيّة القديمة قبل الحفريات. فهو يعتبر بمثابة الشاهد الوحيد على مختلف الطبقات الأثرية التي وجدت قبل اكتشاف «حي ما قبل التاريخ» الذي يتقوقع البناء في وسطه. أمّا ملكيّة البيت فتعود إلى عضو مستشار في قائمقامية الموارنة سنة 1845م عثمان الحسامي 

محفوظ 

وفي حديث لـ«الجمهورية» أشار المرشد السياحي في قلعة جبيل وأستاذ التاريخ يزيد محفوظ، الى أنّ «البيت القرميدي في موقع جبيل الأثري عمره أكثر من 160 سنة، وتمّت المحافظة عليه دليلاً على الحضارات واستمراريّة السكن في محيط القلعة منذ العصر الحجري حتى القرن التاسع عشر»

وأضاف: «مع بدء عمليات التنقيب الأثري إثر اكتشاف مدافن ملوك جبيل الفنيقيين عام 1923، قررت السلطات الفرنسيّة، بعد الحرب العالميّة الأولى، استملاك كلّ بيوت المدينة التي تغطي الموقع الأثري وهدمها، ولم تُبقِ سوى هذا البيت الذي شيّدته عائلة الحسامي عام 1916». واقع يُرثى له يجهل معظم الجُبَيليّين أنّ مدعاة فخرهم التاريخيّة في حال يرثى لها، إذ إنّهم لم يُعاينوها عن قرب، بل اكتفوا بالتلذّذ في مشاهدة بنائها القرميدي وهم يتسامرون على أرصفة مينائهم الجبيلي. فالتجوّل في أرجاء القلعة الأثرية يدفع المرء للإسهاب في التمتع بعظمة الحضارات واختلافها، ولكنّه قد يتفاجأ بأنّه لا يُمكنه الوصول الى معلم البيت التراثي المشهور من دون رفقة تؤمن له الحماية، نظراً إلى الأعشاب والأشواك التي تغزو الموقع، فضلاً عن الزواحف والحشرات. أمّا حقيقة المنزل المهجور، فتتراءى عبر مكوّناته المتجليّة بأرضيته الهشّة وأساساته التي استحوذت الحفريات على جزء من محيطه، فضلاً عن تفسّخ جدرانه وتشققها

وتظهر جليّة صعوبة الصعود إلى درجه الحجري المؤدي الى طابقه العلوي، نظراً إلى تفكُّك بعض أركانه وتبعثرها، إضافة الى انتشار كميات كبيرة من ألواح القرميد المتناثرة خصوصاً في بقعة شرفته المطلّة على الشاطئ، وامتداد شق على طول سقفه القرميديّ من الجهتين الشرقيّة والجنوبيّة نتيجة العوامل الزمنيّة والموسميّة (كالصواعق...)، وما ترتب عنهما من تسرّب لمياه الأمطار داخل البيت، مُهدِّدة بتزعزع هيكل البناء وزوال مجموعة الآثار المكتشفة (كالفخاريات...) المركونة في داخله 

وتطالعنا نوافذ البيت الخشبيّة المهترئة، والقناطر الزجاجيّة المتصدعة، إضافة الى باب البيت التراثي الذي شوّهته أيادي الزوار الذين رسموا و«شخطوا» عليه أسماءهم وكتاباتهم الغراميّة، بلا حسيب أو رقيب يعاقبهم أو مَن يمنعهم من ارتكاب المحرّمات

إذ بموجب قانون حماية الآثار القديمة «يُمنع على الأفراد إلحاق الضرر بالآثار وحفرها وتشويهها، أي وضع كتابة أو إشارة عليها. ويُعاقَب مرتكبو المخالفات بجزاء ماديّ يترواح بين 2500 إلى 1000000 ل.ل. وليس هناك ما يمنع من إقامة دعوة بالعطل والضرر»

فمن جهة الحماية والأمن، إنّ عمّال الموقع التراثي الذين يتناوبون على الحراسة شبه نائمين وليسوا من أولئك المتشددين وفارضي النظام والأمن. بينما الجهات المعنيّة التي توَلّت توظيفهم، لم تُزوِّد أرجاء الموقع بأجهزة مراقبة لمنع تكرار حادثة السرقة السابقة وضبط الفاعلين في اللحظة المناسبة. متحف «اثنو أركيولوجيك» 19 نيسان 2011، تاريخ غير هامشيّ يَشهد على إعلان وزير الثقافة السابق سليم وردة بعد جولته مع السفيرة الأميركيّة مورا كونيللي في أرجاء المواقع الأثرية لمدينة جبيل عن «هبتين جديدتين لجبيل، واحدة لترميم البرج الأساسي لقلعتها عبر برنامح الهبات الصغيرة، والثانية لبيت حسامي الأثري داخل القلعة، عبر برنامج الهبات الكبيرة، وذلك من أجل ترميمه وتحويله متحفاً لعلوم الإنسان، باعتبار جبيل واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم على مدى 8 آلاف سنة بلا انقطاع، وجعل ذلك المنزل متحفاً للإنسان الذي سكن جبيل منذ 8 آلاف سنة حتى اليوم». 

تانيا زافين 

ولمعرفة أبرز المستجدات والوقائع، كان لـ«الجمهورية» حديث مع مسؤولة جبل لبنان الشمالي وموقع جبيل في المديرية العامّة للآثار تانيا زافين التي كشفت بصورة مغايرة أنّ «البيت القرميديّ الذي يستعمل حالياً كمستودع للقطع الأثرية سيتحوّل قريباً الى متحف اثنو أركيولوجيك وسيشمل تاريخ حفريات موقع جبيل»، مشيرةً الى أنّه «سيتضمن صوراً قديمة عن الحفريات الأثريّة على مدى ستّين سنة، بالإضافة الى وثائقي معلوماتي عنها وعن الشعوب التي سكنت جبيل». 

ولفتت زافين إلى أن «البيت المستملك من قبلهم سيخضع لعملية ترميم من الأساسات وليس فقط من البناء، إذ إن فكرة إتمام مشروعه استغرقت عشر سنوات، ونعمد حاليّاً على درسه ووضع التصاميم بمساعدة مهندسين ومرممين» 

وباستغراب، نفت زافين صحة الهبة الأميركيّة التابعة للبيت القرميدي الذي أعلن عنها وردة، موضحةً أنّ «تلك الهبة خُصّصت لترميم برج القلعة، وليس هناك أيّ هبة للبيت القرميدي، ونحن ننتظر التمويل». وعن الكنيسة البيزنطيّة المكتشفة حديثاً تحت الأنقاض، أشارت الى أنّه «تفادياً لتوقّف حركة المدينة عبر إغلاق أسواقها، قرّرت البعثة بعد عمليّة الحفر اتّخاذ إجراءات موقتة تتجلّى بالحفاظ على المعالم الأثريّة عبر إعادة طمّها بالتراب، حتّى يحين الوقت المناسب». الحوّاط: لتطبيق اللامركزيّة تقع الأزمات المناطقيّة نتيجة تشابك المصالح بين المؤسسات والإدارات في الدولة. وفي السياق، لفت رئيس بلدية جبيل زياد الحوّاط، في حديث لـ»الجمهورية»، الى أنّ «مدينة جبيل تشهد تداخلاً بين وزارة السياحة ومديرية الآثار وبلدية جبيل، فالقلعة مثلاً هي في إشراف مديريّة الآثار لا البلدية»، مشيراً إلى أنّ «تضارب المصالح والصلاحية يؤدي الى ازدياد المشكلات وتعطيل أعمال التأهيل المتوجبة في القلعة». وأضاف أنّ «السلطة المباشرة لحماية الجبيليين والمواقع الأثريّة المهملة في جبيل يُفترض أن تكون بلدية جبيل، ومن هنا ضرورة تطبيق اللامركزيّة الإدارية التي ننادي بها دائماً لحماية مناطقنا وصَونها» 

وطالب الحوّاط بـ«إعطاء البلدية الصلاحيات اللازمة في إشراف مديرية الآثار»، مشدداً على «دور الدولة في تطبيق واجباتها لتطوير المواقع التاريخيّة وخصوصاً في جبيل» 

من جهة أخرى، لفت الحوّاط الى أنّ «اختيار جبيل كأهم مدينة سياحيّة عربيّة لعام 2013 لم يكُن مُصادفةً، بل بإجماع من الأمم المتحدة وتقدير من الهيئة المشرفة، ذلكَ أنّها استطاعت تنفيذ مشروع متكامل ساعد على تطويرها وإنمائها وفقَ فترة قياسيّة لا تتجاوز سنتين ونصف السنة»، مشيراً الى «سلسلة من المعايير التحكيميّة ومنها محافظة البلدية وأهالي المنطقة على الطابع الأثري والحضاري والتاريخي والثقافي للمدينة، مقارنة بالهجمة العمرانيّة التي تجتاح معظم المدن وتُشوِّهها، فضلاً عن حجم المشاريع الإنمائية على الصعيد البيئي كإنشاء أكبر حديقة عامة في لبنان، واقتصاديّاً وتجارياً من خلال تأهيل أسواق جبيل التجاريّة، ورياضيّاً عبر إنشاء المجمع الرياضي، كذلك العمل على إنشاء متحف الأبجديّة الذي سيضاف على معالم جبيل التاريخيّة والأثريّة». 

وأكّد الحوّاط «وجود مدينة أخرى تحت الأرض في جبيل، كونها من أقدم المدن التّاريخيّة في العالم وأعظمها وعمرها 7000 سنة. وبالتالي، فإن الثورات والحضارات والإستعمارات التّي مرّت عليها تركت طابعاً أثريّاً»

وقال: «حالياً لا شيء ملموساً سوى الكنيسة البيزنطيّة التي وُجدت أمام السراي، وقد كُلّفت لجنة خبراء ومهندسين متخصصين تابعين لمديريّة الآثار للإشراف على مسح المواقع الأثرية المفترضة تحت الأرض والحصول على دليل قاطع ومشروع كامل لمعرفة الآثار الموجودة» 

ويبقى السؤال، هل تتحمّل الوزارات المعنية مسؤولية استهتارها في إعادة تأهيل ما خلّفته حضارات أجداد جبيل؟

فإذا كان المسؤولون عاجزين عن دفع متوجبات إعادة ترميم البيت القرميدي وتأمين تمويله، لماذا لا يسمح للبلدية بإمساك زمام أمور مدينتها وخصوصاً آثارها، لعلّها تستطيع استكمال إنجازاتها عبر مجابهة خطر انهيار تاريخ أهلها وتلاشيه؟

 نقلا عن جريدة الجمهورية 
بولا الموراني-
[ Back ]
 
 
The contents of this website are the exclusive property of WAYS and “About Lebanon Website”. Any reproduction, total or partial, without prior approval, is illegal.
Softimpact Logo Copyright Ways Group 2009.